مقالات حول جماعة العدل والإحسان
المقال الأول بقلم :عبد العالي مجذوب
سؤال واضحٌ وضوحَ الشمس في رائِعَة النهار، كما يُقال.
والجوابُ الواضحُ وضوحَ السؤال أن المخزنَ يريد من جماعة العدل والإحسان أن تخضعَ له كما خضع الآخرون.
من هم هؤلاء الآخرون؟ وما المقصود بخضوعهم؟
من هم هؤلاء الآخرون؟
الآخرون هنا هم المشاركون في "اللعبة السياسية"، كما صنعها المخزنُ، ووضعَ قواعدها، وحدّد شروط القَبول والمشاركة فيها، وهيّأ ميدانَها ورسم حدودَ هذا الميدان. بعبارة أخرى، هؤلاء الآخرون هم، بالتحديد، الأحزابُ السياسية، التي باتت تشكّل "الواجهة الديمقراطية" لدولة الاستبداد. فلولا هذه الأحزابُ التي قبلت، عن كره أو طواعيّة، عن رغبة أو رهبة أو هما معا، وفي ظروف خاصة، ولأسباب معيّنةــ قبلتْ أن تكون "دُميةً" بيد المخزن يلهو بها كيفما يشاء، وخادما طيّعا لا يعصِي لسيّده أمرا، وأرضا بُورا لا تُنبت إلا ما يبذُره المخزن وما يشتَهيه، ولاعبا في الملعب لا يتحرك إلا كما تتحرك الآلة المُبرمَجة وفق إشارات المُبَرْمِج[بصيغة الفاعل] وأوامره وتعليماته ــ
باختصار، لولا هذه الأحزابُ التي قبلت ورضيت، لسبب من الأسباب، ولهدف من الأهداف، أن تلعبَ دور الديكور في مسرحية رديئةٍ نصّا وإخراجا، لَمَا كان للاستبداد في بلادنا هذه الصولاتُ والجولات، ولما كان عُمْرُ دولة الجبر والتعليمات قد طال إلى هذا اليوم، ولما كان سيفُ الظلم والإكراه والإذلال والإهانة والاحتقار قد أرْدَانا إلى الحضيض الذي نحن فيه، في مجتمعنا وفي مؤسساتنا وفي سائر خدمات شؤوننا العامة.
في هذه الأيام انفجر الأستاذ مصطفى الرميد، وهو رئيس فريق حزب العدالة والتنمية في مجلس النواب، انفجارا له، في اعتقادي، مغزى كبير، وهو مثال حيّ ومعبّر لِما أنا بصدده الآن؛ لقد انفجر الرجل بعد أن بلغ به الضغطُ مبلغا لم يعد يحتمله. لماذا؟ لأنه باختصار رفضَ أن يظلّ ديكورا في واجهةٍ ليس وراءها إلا القمع والمنع والإذلال والإكراه، أيْ رفضَ أن يلعب دور "الكومبارس" في المشهد السياسي والبرلماني المغربي، حسب تعبير النائب المنفجر.
لقد فضح الأستاذ الرميد، بالكلام القليل الذي صرّح به، اللعبةَ التي يُسمّونها "ديمقراطية"، وكشفَ، بتجربة الممارس الذي خالطَ وعايش ورأى وسمع وكابد وتأذّى وصبر وتحمّلَ وتحمّل ــ كشفَ عن المخبوء وراء الشعارات والأشكال والأصباغ؛ مُمثّلون للمواطنين يُراد لهم أن يكونوا "ممثّلين" حقيقيين في مسرحية حقيقية. وإذا ما أراد هذا النائبُ أو ذاك أن يخرق قواعد التمثيل، وسعى متمردا من أجل ممارسة مهامّه كما يجب، فإنه يُواجهُ بأنواع من التضييقات والإهانات التي عبّر عنها نواب حزب العدالة والتنمية.
كونوا ديكورا، كما هو مُبَرْمَجٌ لكم في اللعبة، واسكتوا، يقول لسانُ حالِ دولة المخزن، وإلا فأنتم تُسيئون إلى حرمة المؤسسات، وتستخفون بإرادة المواطنين الذين وضعوا ثقتهم فيكم. وقدْ يُتّهمُون، اليوم أو غدا، بأنهم خارجون على الجماعة، شاقّون لعصا الطاعة، كما اتُّهِم البرلمانيون الاشتراكيون في الماضي، حينما رفضوا الامتثال لنتائج استفتاء 30ماي1980، المتعلق بالتمديد لولاية المجلس النيابي، فلم يجدِ الحسنُ الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، منْ سندٍ لإدانتهم إلا أن يرميَهم، بصفته أميرا للمؤمنين، بالخروج على الجماعة.
الْعَبوا دورَ "الكومبارس"، كما يريد المُخرج المتحكم في خيوط اللعبة، وإلا فأذَنُوا بحملةٍ وحملاتٍ فيها من عناصر الضغط النفسي والتجريح الشخصي والاتهام والإدانة، ما يكفي لإرجاعكم إلى الجادّة، وجَعْلكم تلتزمون بما يجب عليكم في "دفتر التّحملات"، حينما تمّ قبولكم للمشاركة في اللعبة المخزنية.
مسكينٌ هذا النائب المنفجر؛ لقد قامت دنيا آلةِ الدعاية والردع والزجر المخزني في وجهه، لأنه تجرأ أن يقول ما لا يُقَال حينما نكون من أهل الدار، ونأكل من المائدة نفسها.
لم يكتفوا بما قالته في انتقاده والتشنيع عليه الصحافةُ المجنَّدةُ لخدمة المصلحة المخزنية. وأيضا لم تكن تصريحاتُ خصوم حزب العدالة والتنمية السياسيين الطاعنةُ الشاجبةُ المُدِينةُ لموقف الأستاذ الرميد بالتي تفي بالتوبيخ والإرهاب والتأثير النفسي المطلوب، ولذلك كان ضروريا أن تصدر ثلاثة بيانات من ثلاث جهات تمثل كلّها رأيَ الدولة المخزنية، وهي مكتبُ مجلس النّواب، والغريب أن من أعضاء هذا المكتب ممثلا عن حزب العدالة والتنمية، ومكتبُ مجلس المستشارين، وأربعُ وزارات في مقدمتها وزارة الداخلية أمّ الوزارات، كانت وما تزال.
ثلاثةُ بيانات، منها بَيَانَا مكتبي مجلسي النواب والمستشارين، اللذان ذهَبا في الاتهام والطعن والإدانة والتّشهير كلَّ مذهب، ولم يقْتصدا ولا تحرّجا في استعمال ألفاظ وعبارات نارية تذكرنا بما قاله الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، في حق النواب الاشتراكيين الذين انسحبوا احتجاجا على التمديد لمجلس النواب سنة1980، في خطابه الذي افتتح به الدورة البرلمانية في أكتوبر1981.[يُراجع نصّ هذا الخطاب في الرابط التالي:
(http://doc.abhatoo. net.ma/spip. php?article602)]
إذن، كما في المثل الشعبي: "ليس دخولُ الحمّام كالخروج منه"، وتأويلُه أن من قبِلَ المشاركةَ في اللعبة المخزنية، عليه أن يبقى لاعبا، حسب ما هو مرسوم له، إلى آخر المطاف، وإلا فإن ثمن خروجه من اللعبة قبل النهاية سيكون غاليا ومكلفا.
قلت في بداية هذه المقالة: إن المخزنَ يريد من جماعة العدل والإحسان أن تخضع له كما خضع الآخرون. ثم سألت: من هم هؤلاء الآخرون؟ وما المقصود بخضوعهم؟ وقد عرفنا، في إيجاز، من هم هؤلاء الآخرون، ونعرف فيما يلي:
ما المقصود بخضوعهم؟
المقصودُ بخضوعهم أنهم رَضُوا بأن يكونوا تابعين مُذعنين طائعين، ليس لهم من الإرادة والاستقلالية ما يؤهلهم ليقولوا: "لا"، أو ليحتجوا أو يرفضوا أو يعترضوا.
الخضوعُ هنا بمعنى التسليم من غير رأي ولا تفكير ولا نقاش، وهو فعلٌ يكون من المغلوب تجاه الغالب، ومن المملوك المقهور نحو المالك القاهر.
يقول المخزن: افعلْ أو لا تفعلْ. فليس للخاضع أمام هذا الأمر إلا أن يقول: سمعا وطاعة، أي "نعَم سيّدي".
قد يسأل سائل مخدوعٌ بالمظاهر والشعارات: كيف يمكنُ أن يَصدُق هذا على أحزابٍ لها مؤسساتٌ مستقلة، ومؤتمرات وهيآت ومجالس تَتخذ قراراتِها بحرية، وتَختار برامجها وتحدِّد توجهاتِها من غير أن تخضع لأية جهة؟
كيف يجوز أن توصف مثلُ هذه الأحزاب بأنها مستسلمة خاضعةٌ لا تقول "لا"، ولا تحتج، ولا تعترض، ولا تناقش؟
نعم، هي أحزابٌ لها ما هو معروف من المجالس والهيآت والمؤتمرات، وهي حرّة، كما يظهر، وكما نرى ونسمع، في خطاباتِها وفي قراراتها، لكن ذلك شأنٌ مع ذاتها، وبين أعضائها ونشطائها ومناضليها؛ إنّ لهم، فيما بينهم داخليا، وفيما بينهم وبين الناس عموما، أن يقولوا كيفما يحلو لهم، وأن يدبّجوا الخطب النارية، وأن يصولوا ويجولوا بالكلام في البرلمان والمهرجانات واللجان والبرامج الحوارية في الإذاعات المسموعة والقنوات المرئية، وفي غيرها من المنابر والظروف والمناسبات، لكن الشرطَ الأساسَ دائما في كل هذا، بل الخطّ الأحمر الذي وراءه الموتُ الزُّؤام، هو عدمُ الاقتراب من حِمى الدولة المخزنية.
قُلْ ما تشاء فيما بينك وبين نفسك، وفيما بينك وبين الناس، ولْتتعارضْ الأحزابُ، ولْتتنابزْ بالألقاب، ولْتتراشقْ بالاتهامات والتجريحات، ولْتتهارشْ في بثٍّ










































